تفكيك العراق … في صلب إستراتيجية شرقي السويس

0

 

    ليس تقسيم االعراق ضرباً من ضروب التخمين  وليس حالة عرضية قد تأتي حيناً وتخفي أحياناً، فتقسيم العراق حلقة من اسراتيجية كاملة عرفت باستراتيجية شرقي السويس، الاتفاقية التي وقعتها كل من بريطانيا وامريكا سنة 1964م وبدأ العمل بها سنة 1971م، وكانت الدول العظمى عبر التاريخ هي من يتحكم في الجغرافية الإستراتيجية ومن يتحكم في الجغرافية الإستراتيجية يتحكم في التاريخ وصناعته، وظهرت عبر التاريخ دول واختفت اخرى فلكل إمبراطورية تصوراتها الجغرافية من ممرات مائية ومضائق وثغور، ولاستخدام هذه الاتفاقية بكفاءة عالية ظهرت دول مثل الإمارات العربية المتحدة وستختفي أخرى مثل العراق كما نصت أيضاً هذه الإتفاقية في بنودها السرية على تفكيك الهند في المستقبل ولقد إحتج الهنود على هذه الإتفاقية معتبرين إياها تهديداً لسلامة الهند وخاصةً على وجود القواعد الأمريكية في المحيط الهندي، ولا ننسى تفكيك الهند سنة 1947م حيث انسلخت عنها كل من باكستان وبنجلاديش.

     وحينما بدأ نجم الإمبراطورية العثمانية بالأفول ظهرت دول عظمى كفرنسا وبريطانيا و “روسيا” اللتان شكلتا الخارطة السياسية للعالم ضمن ما يعرف بـ “سايكس بيكو” التي وقعت في “سان بطرسبورغ” بحضور وزير خارجية روسيا والتي حصلت بلاده على المنطقة الغربية للبسفور من تركيا الحالية، وكانت هذه الإتفاقية سرية جداً إلا أن وصول البلاشفة إلى السلطة سنة 1917م أدى إلى إفشاء سر هذه الإتفاقية الأمر الذي جعلها لا تحقق كل أهدافها خاصة من الجانب التركي حيث كان مقرراً تقطيع تركيا الحالية إلى دويلات، غير أن البلاشفة سحبوا قواتهم من غرب البوسفور ومدوا الأتراك بالمساعدات اللازمة لتحرير بلادهم، كما أرسلوا نص هذه الإتفاقية إلى الشريف حسين الذي أرسل بدوره إلى “ماكمهون” المندوب السامي البريطاني في مصر يسأله عن رأيه فيما جاء في هذه الإتفاقية فرد عليه: ” اتصدق الشيوعيين الكفرة” وهكذا إنطلت الحيلة على الشريف حسين، فلو تراجع عن دعم البريطانيين في الحرب العالمية الاولى لما كان ليكون هذا هو السياق التاريخي للأحداث، لذا عمد البريطانيون والامريكان إلى  ترك معظم بنود هذه الإتفاقية في السرية المطلقة، بمعنى المعلومات التي تسربت عن هذه الإتفاقية كان مقصوداً عملاً بالمبدأ القائل : “إن أردت أن تخفي الحقيقة فقل نصفها” لذلك فكل إمبراطورية تعمل بمبدأ “التجارة تتبع الراية” أي راية القوة والسيطرة على الجغرافية لضمان التجارة والتحكم بها والتي هي عماد قوتها، ومن يتحكم في الجغرافية الإستراتيجية يتحكم في اقتصاد العالم.

     عبر التاريخ كان العالم يدار برأسين، أما اليوم فهو يدار برأس واحدة خاصة بعد مؤتمر مالطا 1990م الذي جمع بين بوش الأب وخوربتشوف حيث  تنازل هذا الأخير عن كل منطق نفوذ الإتحاد السوفيتي، وكان هذا المؤتمر سبباً في استقلال أرتيريا لأن الشيوعيين الأثيوبيين لم يعد لهم أي سند لمواصلة احتلالهم لارتيريا حيث أعلن “أسياس افورقي” مباشرة وبعد الاستقلال ولاءه لامريكا، وبات لا ينغص على امريكا وجودها في البحر الاحمر إلا القواعد الفرنسية في جيبوتي حيث عززت فرنسا وجودها في جيبوتي بعد مالطا لأهمية باب المندب الذي يعتبر قيداً خانقا للبحر الأحمر صعوداً وهبوطا، وفي  محاولة للتقليل من اهمية الوجود الفرنسي هناك كان لا بد من إسقاط نظام “سياد بري” الماركسي إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل مما جر البلاد إلى حرب أهلية.

      أما العراق وهو محور حديثنا والذي يقع في صلب هذه الاتفاقية يعود أساساً إلى فشل بريطانيا في حماية مناطق نفوذها لذا كان لا بد أن تتخلى بريطانيا بموجب الاتفاقية المذكورة عن مناطق نفوذها طوعاً، ولقد تعللت أمريكا بالتمدد السوفيتي في هذه المناطق، وكما جاء في هذه الاتفاقية أن تتنازل بريطانيا بدءاً من قناة السويس وصولاً إلى سنغافورة وقاعدة دارون في أستراليا مروراً بالبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي والعراق وإيران والهند وأندونيسيا وماليزيا دون الأخذ برأي شعوب هذه المناطق وكأنها ملكية خاصة ممكن تحويلها من مالك إلى آخر، وإذا كانت هذه الاتفاقية الغرض منها تطويق الاتحاد السوفيتي حتى لا يتمدد إلى منابع البترول وسلامة تدفقه إلى الأسواق الدولية وسلامة التجارة عموماً فاليوم الاتحاد السوفيتي قد زال من الوجود لذا فما مبرر الاستمرار بالعمل بهذه الاتفاقية؟ والحقيقة أن أمريكا تسعى للسيطرة على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحينما أدركت بريطانيا أن مناطق نفوذها شرقي السويس آيلة للسقوط في يد أمريكا اجلاً أم عاجلا فكان عليها أن تسلم طواعيةً بالنفوذ الأمريكي في مقابل حصولها على مزايا اقتصادية وتجارية هامة كما تعهدت بريطانيا أن تقف إلى جانب أمريكا في أي عمل عسكري، معناه أن تصبح بريطانيا تابعة لأمريكا ودون إرادة، الأمر الذي رفضه العديد من الشخصيات البريطانية معتبرين هذه الخطوة ما هي إلا تصفية للإمبراطورية البريطانية فيما وراء البحار.

    أما عن العراق وتفكيكه فبدأ الحديث فيه منذ حرب الخليج الثانية حيث أن الرئيس السوري وقتها ظن ان ساعة تفكيك العراق قد حانت فأرسل بقواته إلى الموصل ثم أُرغم على التراجع، فهذا الإقليم تتنازع كل من سوريا وتركيا للسيطرة عليه، حيث نجد اليوم الأحداث في الموصل تختلف عن باقي ما يحدث في العراق الأوسط، فنجد السيطرة فيه لتنظيم داعش هذا التنظيم الذي اًوكل إليه السيطرة على الموصل لحين بداية التقسيم الفعلي، ويبقى العراق الأوسط الذي يمتد من خط عرض 32 حتى 36 او 37 فسوف يدخل في فيدرالية مع الأردن ويصبح يعرف في المستقبل بالمملكة الهاشمية المتحدة، ففي سنة 1995م أرسل مجموعة من المثقفين الأردنيين رسالة إلى الملك حسين يسألونه عن مصير “عمان” في حال ما تحولت العاصمة إلى بغداد ؟؟ فرد عليهم إن “عمان” ستبقى عزيزة على قلب الهاشميين، “وكانت هذه الرسالة وردها قد نشرتها معظم الجرائد الأردنية في حينها.

      وليس أدل على تقسيم العراق الخطوة التي اتخذها رئيس إقليم كردستان والذي نادى بالاستفتاء لتحديد مصير الإقليم ولو لم يحصل على موافقة من أمريكا ما كان ليخطو هذه الخطوة.

   اما الجنوب فسيدخل في فيدرالية مع إيران على أساس طائفي وهكذا تكون إيران على حدود السعودية  البرية مما سيجعل التوتر قائماً في المنطقة إلى ما لا  نهاية ويجعل من الوجود الأمريكي ضرورة لا بد منها لحماية أمن الخليج .

  أما العراق وجنوبه ففي غابر الأيام وقبيل الإسلام تمكن من إلحاق شر هزيمة في معركة ذي قار بالدولة الساسانية وها هو اليوم يعود إلى حضن إيران  لان المصلحة اقتضت ذلك.

     والمتابع لهذه الخارطة الجديدة للعراق يجدها تماما تحاكي تلك التي كان عليها العراق في القرن السادس قبل الميلاد أيام نبوخذ نصر وقصة الأسر البابلي … هل هذا يدخل في باب الصدفة؟؟ بالتأكيد لا..        

جبران العكرمي

متخصص في تاريخ الفكر السياسي

20537214

قد يعجبك ايضا