من أولى أولويات الدولة والمواطن

0

بنظرة شمولية واحدة وسريعة قد يقوم بها المواطن الأردني للمتغيرات المستمرة والغريبة التي تطرأ على منطقتنا  والأحداث العنيفة والعجيبة الجارية في دول الجوار على وجه الخصوص وانعكاسها على الأردن ومدىتأثره بها وكذلك لطبيعة الظروف والمشاكل التي يُعاني منها هو وبلده وحجم الجرائم المهولة التي تقع في بيئته ومجتمعه وأمام  ناظريه، سوف يربط حتماً وبيقينٍ بين كل الأجزاء المثبتة على خريطة الأحداث وتلك المتغيرات وأسبابها، وسوف يخرج بالضرورة بنسق إدراكي كامل وشامل يُقارن فيه ما يشاء من أوجه المقاربة والمباعدة على مساحتين الأولى من ماضيه الذي كان مُنَعَّماً فيه إلى حدٍ ما وحاضره الذي يستقبله الآن ويُفرض عليه بفوة وهو ولاحول له ولا فوة.

والمواطن الأردني الواعي والمدرك أولاً لذاته والمتفهم لقيمه التي تربى عليها ولدوافعه وميولاته وتوقعاته واتجاهاته للعيش الحر والكريم، يستطيع ببساطة أن يُدرك ويتفهم كل ما يُحيط بالأردن  من الخارج أو الداخل من تهديدات وظروف. وهو يستطيع أيضاً بحكم تجاربه ومفاهيمه وقيمه الإيجابية أن يكون له رأيه الخاص المستقل في حل المشاكل التي تواجهه وإتخاذ القرارات الأنسب لذلك، وهو قادر بالفعل على لعب أفضل الأدوار وتحقيق أكبر الإنجازات إذا ما أُتيحت له الفرص الكافية والمباشرة للتعبير عن قدراته وإمكانياته ووعيه وإحساسه لما يدور حوله من خلال تمكينه من الإسهام في وضع البرامج والخطط والرؤى المختلفة العملية والمدروسة والحقيقية التي ترفد الدولة وتُساعدها على تحمل أعبائها ومواجهة مشاكلها وتحدياتها بكفاءة واقتدار بعيداً عن النمطية والشكلية والروتينية في الإجراءات التي لا تُعبر كثيراً عن وعي المواطن الأردني ولا تشفي غليله ولا حتى غيرته على أمنه ووطنه. ومن دون إنتقاص للحكومة والبرلمان ولا تعظيم، فقد بات المواطن الأردني مُغَيَّباً إلى حدٍ كبيرٍ فوق همومه وأوجاعه وأحاسيسه وما يُعانيه من أجندات الدولة في الرعاية السليمة والإهتمام الحقيقي الحثيث بشؤونه بسبب الفئوية والجهوية والشللية والنفعوبة والوساطة والترهل البيروقراطي الإداري والسياسي التي وسمت في مجموعها بعض أجهزة الدولة الرسمية بما لا يليق ما عدا الفساد الذي تفشى في بعض أركانها وشخوصها، وأصبح شبحاً يُلاحق المواطن الأردني ويقِضُّ مضجعه. بل أوشك هذا المواطن في هذه الأيام على ان يتم إختزاله  وقضمه بالكامل رغم مسيرة كّدِّه وبنائه وعطائه وخبراته وكفاءاته وقيمه الإيجابية ووعيه المتميز ورسالتة الطيبة والكريمة وحقه في التعبير وفي الرأي  وفي المشاركة البناءة والمسؤولة والمنشودة، وما يُشير إلى هذا، سياسة التفرد الحكومي والبرلماني المستهجنة والمنتهجة حديثاً لاتخاذ  القرارات  سواءاً  أكانت مفهومة أو غير مفهومة وإصدار حُزمٍ من القوانين بغض النظر إذا كانت رشيدة أم غير حكيمة مع تنفيذ سلاسل من الإجراءات المعقدة والسياسات المتخبطة التي أصبحت توحي بعضها بأنها لا تصب في مصلحة الوطن ولا المواطن، بل وتؤكد للعيان بأنها إنما تُعَبِّر فقط عن حقيقة وماهية ذوات بعض المسؤولين اليوم عن إدارة دفَّة شؤون الوطن والمواطن، وعن المستويات غير المرغوبة والمأمولة منهم من حيث إدراكهم لطبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن وفهمهم لكل التحديات والمشاكل والظروف التي بدأت تحاصره وتخنقه، وكفاءتهم وقدرتهم على تجنيب الأردن  المخاطر التي بدأت بالفعل تسبح نحوه شيئاً فشيئاً بجوانبها الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية. وحينما يتعلق الأمر بوحدة نسيج الوطن ومصير الأردن وشأنه ومستقبله الذي يتربص به المتربصون، يُصبح حمل الأمانة والمسؤولية على عاتق الجميع وتصبح المشاركة الجماعية وتوحيد جميع الجهود والمدارك والمفاهيم والتوجهات من أولى أولويات العمل الوطني العام والمسؤول ومن أهم الثوابت والرواسخ   والمبادئ والرسالات، ولاتكون حِكراً على أحدٍ ولا جهة ما وليست من حق أي كان ومهما كان العبث أو التهاون بها أو التغاضي عنها. وعلى هذا الأساس فإن من حق المواطن الأردني الواعي والغيور على وطنه وهويته وكرامة مستقبله ووطنه أن يُصلح كل ما أُفسد في وجهه وفي وطنه وأن يرى مسؤولين لا أشخاصاً متربعين على الكراسي ولا متنفذين يرعون مصالح وغايات خاصة، ولا دخلاءاً ولا تُجاراً بحتكرون المكاسب والمنافع والأدوار.. ومن حق المواطن هذا أن لا ينتابه للحظة واحدة الإحساس بأية سياسات رامية إلى تحييده أو إستغفاله إو إلى الإستخفاف به وبوعيه ومفاهيمه وقيمه وادراكاته وتوقعاته ورقيِّ توجهاته، على الأقل من الناحية الإعلامية، والحَدِّ من إستخدام آلات الكذب والنفاق والتهريج الإعلامي ومن هالات الصمت والتعتيم والتكميم والنفخ في الأبواق المأجورة وإطلاق الأفواه والحناجر والأقلام المسعورة.  وإذا كان من الواجب إحترام حقوق الإنسان والمُضِيِّ قدماً في النماء وفي مسيرة العطاء والبناء والرقي والتقدم كمن سبقونا، فمن الأولى أن يحظى رأي المواطنين بالإهتمام الرسمي للدولة، وعليها أن تُحاكي واقعه دائماً وأن تُلامس بإجراءاتها وسياساتها وقوانينها همومه وأحلامه وآماله وتوقعاته.

 إياس المفتي

قد يعجبك ايضا